الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

114

نفحات الولاية

قد ذرفت على الستين » فيقتدح إلى الذهن هذا السؤال : كان لعلي عليه السلام على الأقل ثلاث وعشرين عاماً حين الهجرة ، واننا لنعلم بأنّ المعارك الإسلامية وقعت بعد الهجرة ، فكيف ينسجم هذا الأمر وما ذكره الإمام عليه السلام ونقول في الجواب صحيح أنّ الحروب والمعارك وقعت فعلياً بعد الهجرة ، إلّاأنّ السنوات الأخيرة من الدعوة في مكة قد شهدت تصعيداً في مجابهة النبي صلى الله عليه وآله بما لا يقل شيئاً عن إعلان حالة الحرب . ونموذج ذلك محاصرة بيت النبي صلى الله عليه وآله من قبل كافة رجالات قريش حين بات الإمام عليه السلام على فراشه لينجو رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بنفسه ، كما صرحت بعض التواريخ بأنّ المشركين كانوا قد أعدوا قبل ذلك بعض الخطط لقتل النبي صلى الله عليه وآله ؛ الأمر الذي كان يثير قلق أبي طالب . حتى أورد صاحب البحار أنّ صبية المشركين كانوا يرمون رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بالحجارة حين يخرج من بيته في مكة ، فكان علي عليه السلام يدافع عنه وينقض عليهم فيولون هاربين « 1 » . فالواقع تشير مثل هذه الأحداث وما شابهها أنّ العهد المكي كان يعيش حالة الحرب رغم عدم نشوبها بصورة فعلية حيث كان المسلمون يشهدون أذى الكفار باستمرار ، الأمر الذي كان يتطلب بعض التدبير والتفكير من أجل كسب المعركة . ولعل قوله عليه السلام : « نهضت فيها وما بلغت العشرين » - الذي ورد في الخطبة - إشارة إلى التأهب للحرب لا لنشوب الحرب . 4 - الخاتمة المريرة للواقعة ذكر بعض شراح نهج البلاغة أن علياً عليه السلام حين اخبر عن غارة أهل الشام وقتلهم لعامله فخطب الناس . ثم سكت عنهم رَجَاء أن يجيبوه أو يتكلم منهم متكلم ، فلم ينبِس أحدٌ منهم بكلمة ، فلما رأى صْتَهم نزل ، وخرج يمشى راجلًا حتى أتى النُّخَيْلة ، والناس يمشون خَلْفَه حتى أحاط به قوم من أشرافهم ، فقالوا : ارجع يا أميرَالمؤمنين ونحن نكفيك ، فقال : ما تَكْفونني ولا تْفُون

--> ( 1 ) بحار الأنوار 41 / 62 .